
لأسابيع، كان من الممكن أن يتغير اسم النادي المقبل لمحمد صلاح مع كل جولة جديدة من أخبار الانتقالات.
السعودية تابعت موقفه منذ سنوات، وبشكتاش ظهر كوجهة تركية محتملة بعد رحيله عن ليفربول، كما طُرحت خيارات أخرى خارج أوروبا.
لكن الصفقة النهائية جاءت من مكان مختلف داخل تركيا.
في 6 أغسطس 2026، أعلن طرابزون سبور التعاقد مع محمد صلاح في صفقة انتقال حر، ليبدأ النجم المصري مرحلة جديدة بعد تسعة مواسم مع ليفربول.
المفاجأة لم تكن في اختيار تركيا وحدها.
المفاجأة كانت أن طرابزون سبور هو من حسم السباق.
هذه النقطة مهمة لأن بشكتاش ظهر بقوة في التقارير التي سبقت حسم الصفقة.
في مرحلة من الصيف، بدا النادي القادم من إسطنبول واحداً من أبرز الاحتمالات التركية أمام صلاح.
لكن طرابزون سبور تقدم في النهاية وأكمل الاتفاق.
وفي 6 أغسطس أعلن ليفربول رسمياً انتقال لاعبه السابق إلى النادي المطل على البحر الأسود.
لذلك لم يعد من الدقيق تقديم القصة على أنها انتقال إلى بشكتاش، حتى إذا بقيت بعض العناوين أو الروابط القديمة مرتبطة بتلك المرحلة من المفاوضات.
لا توجد إجابة واحدة أعلنها صلاح باعتبارها السبب الوحيد وراء القرار.
الصفقة جمعت بين عدة عناصر.
طرابزون سبور قدم له دوراً محورياً داخل الفريق، وبيئة جماهيرية قوية، وشروطاً مالية كبيرة، إلى جانب إمكانية مواصلة اللعب داخل بطولات UEFA.
كما سمح له الانتقال بالبقاء داخل منظومة كرة القدم الأوروبية بدلاً من مغادرتها بالكامل.
وهذا أكثر دقة من القول إن صلاح «رفض السعودية» لسبب واحد محدد.
كانت هناك وجهات متعددة مطروحة، لكن طرابزون سبور هو النادي الذي نجح فعلياً في تحويل اهتمامه إلى عقد موقع.
اختيار تركيا لم يكن مرادفاً للتنازل عن عقد ضخم.
اتفق صلاح مع طرابزون سبور على عقد لمدة موسمين يمتد حتى يونيو 2028.
وأظهرت التفاصيل المالية المرتبطة بإفصاحات النادي أن القيمة السنوية للحزمة تصل إلى نحو 17 مليون يورو بين الراتب ومقابل التوقيع.
كما تتضمن الاتفاقية حصة من عائدات المنتجات التي تحمل اسم اللاعب.
لهذا لا يمكن اختصار القرار في مقارنة بسيطة بين «كرة القدم الأوروبية» و«أموال السعودية».
طرابزون سبور استطاع تقديم مشروع رياضي قوي وعقد مالي كبير في الوقت نفسه.
طرابزون سبور يمنح صلاح شيئاً لا تستطيع الأندية السعودية تقديمه: الاستمرار داخل بطولات UEFA.
بعد سنوات طويلة من دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي مع ليفربول، يبقى اللعب داخل المنظومة الأوروبية جزءاً مختلفاً من روزنامة اللاعب وطبيعة المنافسة التي يخوضها.
هذا لا يعني تلقائياً أن الدوري التركي أقوى من الدوري السعودي.
لكنه يعني أن المشروعين مختلفان.
صلاح تمكن من مغادرة الدوري الإنجليزي من دون مغادرة كرة القدم الأوروبية بالكامل.
عندما تصل أسماء عالمية إلى تركيا، غالباً ما تتركز الأنظار على غلطة سراي وفنربخشة وبشكتاش.
طرابزون سبور يقع بعيداً عن إسطنبول على ساحل البحر الأسود، لكنه يملك واحدة من أقوى الهويات الجماهيرية في الكرة التركية.
النادي جزء من مجموعة الكبار التقليدية في البلاد، وسبق له كسر سيطرة أندية إسطنبول على البطولات المحلية.
كما منح صلاح موقعاً واضحاً في قلب المشروع الرياضي، بدلاً من إضافته إلى فريق مبني حول نجم هجومي عالمي آخر.
ولهذا تحوّل وصوله إلى حدث يتجاوز مجرد إعلان انتقال لاعب.
لفهم الصفقة، يجب أولاً النظر إلى ما انتهى في إنجلترا.
قضى صلاح تسعة مواسم في ليفربول وأصبح واحداً من أبرز الهدافين في تاريخ النادي.
أنهى تجربته برصيد 257 هدفاً في 442 مباراة، محتلاً المركز الثالث في قائمة هدافي ليفربول التاريخيين.
وفاز خلال تلك الفترة بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا وعدد من البطولات الكبرى الأخرى.
بحلول صيف 2026، لم يعد السؤال متعلقاً بمكانة صلاح في تاريخ ليفربول.
السؤال أصبح أين يريد أن يقضي المرحلة التالية من مسيرته.
اهتمام الأندية السعودية بصلاح لم يبدأ في 2026.
سبق لليفربول أن رفض عرضاً كبيراً من الاتحاد، ثم عادت الأندية السعودية إلى الارتباط باسمه عندما اقتربت مرحلة رحيله عن إنجلترا.
لكن استراتيجية السوق السعودية بدأت تتغير أيضاً.
بعد سنوات ركزت بقوة على النجوم العالميين أصحاب الخبرة، بدأت أندية كبرى تتجه بصورة أكبر نحو لاعبين أصغر سناً يمكنهم تقديم سنوات إضافية من الأداء والاحتفاظ بقيمة سوقية مستقبلية.
ويظهر هذا التحول أيضاً في الطريقة التي يتحرك بها الهلال في صفقاته الهجومية، حيث أصبحت الاستثمارات الضخمة تشمل لاعبين في سنوات الذروة أو قبلها.
صلاح ظل اسماً تجارياً ورياضياً ضخماً، لكنه في عمر 34 عاماً يمثل نوعاً مختلفاً من الاستثمار.
هذا لا يعني أن الاهتمام السعودي اختفى تماماً.
الأدق هو أن الظروف تغيرت لدى اللاعب والأندية معاً.
الحديث عن بشكتاش لم يكن مختلقاً.
تقارير يوليو وضعت النادي ضمن الوجهات المحتملة لصلاح، وفي مرحلة معينة بدت الصفقة ممكنة بالفعل.
لهذا ما زالت بعض العناوين القديمة تربط اسمه ببشكتاش.
لكن أخبار الانتقالات تصف مراحل متغيرة وليست النتيجة النهائية دائماً.
يمكن أن يوجد اهتمام أو تفاوض من أكثر من نادٍ قبل أن يوقع اللاعب عقده.
وبمجرد إعلان طرابزون سبور الصفقة رسمياً، تغيرت الحقيقة النهائية للقصة.
حصل صلاح على القميص رقم 10.
وهذا يعطي فكرة واضحة عن حجم الدور الذي ينتظره النادي منه.
لم يصل كلاعب بديل أو اسم مخضرم يحصل على دقائق محدودة.
طرابزون سبور يتعامل معه باعتباره واحداً من أهم عناصر الهجوم، وتدرجه قوائم UEFA الحالية ضمن مهاجمي الفريق في موسم 2026/27.
التحدي الآن مختلف تماماً عن ليفربول.
بدلاً من اللعب لنادٍ يدخل كل موسم بين المرشحين الطبيعيين لأكبر الألقاب الإنجليزية والأوروبية، أصبح صلاح أحد الأسماء التي يعتمد عليها طرابزون سبور لتقليص الفارق مع منافسيه الكبار داخل تركيا.
لو اختار صلاح الدوري السعودي، لكان أشهر لاعب عربي في جيله قد انتقل إلى أكبر مشروع كروي محلي في المنطقة.
تركيا تضعه في موقع مختلف.
هو ما زال قريباً جغرافياً وثقافياً من المنطقة العربية ويلعب في دولة ذات أغلبية مسلمة، لكنه في الوقت نفسه بقي ضمن منظومة UEFA.
لهذا يصعب وضع الصفقة داخل التصنيف التقليدي بين «البقاء في أوروبا» و«مغادرة أوروبا».
صلاح ترك واحداً من أقوى الدوريات الأوروبية، لكنه لم يغادر كرة القدم الأوروبية نفسها.
التوقعات واضحة.
صفقة بهذا الحجم يجب أن ترفع مستوى الفريق.
النادي يريد أهدافاً وتأثيراً مباشراً داخل الملعب، لكنه يريد أيضاً الاستفادة من الحضور العالمي لأحد أشهر لاعبي كرة القدم.
هذا يشمل مبيعات التذاكر والقمصان، والاهتمام الإعلامي، والرعايات، والوصول إلى جماهير لم تكن تتابع النادي سابقاً.
صلاح نفسه تحدث عند تقديمه عن رغبته في الفوز بالألقاب.
معرفة ما إذا كان طرابزون سبور سيحول ضجة الصفقة إلى بطولات تحتاج إلى موسم كامل وربما أكثر.
أما الوجهة نفسها فلم تعد موضوعاً للتكهن.
محمد صلاح لم ينتقل إلى بشكتاش أو السعودية.
مرحلة ما بعد ليفربول بدأت في طرابزون سبور.